تُشکّل العلاقة الجدلیة بین الإنسان والمکان محوراً مرکزیاً فی التیارات الفکریة والمدارس الفلسفیة والأعمال الإبداعیة. وتُعدّ عملیات البناء والسکن، وما یتبعها من تأمل نقدی، من القضایا الجوهریة التی نالت حظاً وافراً من البحث، بل تجاوزت حدودها لتُؤسس لمفاهیم أنطولوجیة وفلسفیة رحبة. فی هذا السیاق، یبرز تحلیل مارتن هایدغر للعلاقة الخاصة بین الوجود الإنسانی والمکان، وذلک فی إطار مشروعه الظاهراتی التأویلی. إذ یرى هایدغر أن الدازاین لا یتحقّق وجوده إلا من خلال کونه "کینونة فی العالم". فالإنسان، من هذا المنظور، هو موضع انکشاف الوجود، وتتشکل مکانیته وفقاً لقربه من الأشیاء أو بُعده عنها. ویُحاول هایدغر بعث الألفة المفقودة بین العالم والإنسان، تلک الألفة التی أفضى العصر الحدیث إلى تکریس الاغتراب فیها عن مغزى المکان.فی موازاة ذلک، لا یُعدّ المکان فی الروایة الجدیدة مجرّد عنصر سردی ثانوی، بل إن تناوله کموضوع رئیس یعدّ أحد محددات الاشتغال الروائی. وبناءً علیه، تهدف هذه الدراسة إلى تقدیم قراءة ظاهراتیة لروایة "الخواجا" للکاتب السوری محمد طعّان، بالاستناد إلى مفهومی البناء والسکن عند هایدغر. تنطلق المقالة من منظور متعدّد التخصصات یوفّق بین الأدب والفلسفة، وتسعى إلى تحلیل تجلّی تجربة الوجود الإنسانی عبر اللغة الأدبیة والفضاء السردی. إذ لا یُنظر إلى السکن هنا بصفته إقامة مادیة فحسب، بل بصفته أسلوباً للوجود فی العالم. ومن خلال تفکیک البنیة المکانیة للروایة، تُظهر الدراسة النص الأدبی فضاءً قادراً على تجسید المفاهیم الهیدغریة، وکشف العلائق المعقّدة بین اللغة والوجود والمکان. تُبیّن النتائج أنّ الارتباط الوثیق بین الأحداث والشخصیات لا یمکن فهمه إلا فی ضوء مسار السکن بوصفه فعلاً وجودیاً. ویؤدی المکان دوراً أساسیاً فی تشکیل هویة الشخصیات ومنحها معالمها، إلى حدّ یمکن معه القول إن تباین مواقف الأفراد تجاه المکان هو العامل الحاسم فی تنوّع أفعالهم واختلاف شخصیاتهم. فالمکان فی "الخواجا" لیس خلفیة محایدة، بل فاعل أنطولوجی یُعید إنتاج أسئلة الوجود والاغتراب والألفة فی العالم.