الوجودیة حرکة فلسفیة تؤکّد علی أنّ الإنسان محور الوجود، کما تعتبره کائناً حرّاً یعیش فی عالم متوتّر لا معنى له، وعلیه أن یسعى جاهداً لإیجاد معنى وهدف لحیاته. فی القرن التاسع عشر، إثر تقدم العلوم التجریبیة ضعفت الرابطة العاطفیة للإنسان الغربی مع عالم المعنى. من ناحیة أخرى، فإن انتشار ظل الذعر والفوضى العامة ترکت أثراً عمیقاً على صورة الوجود فی النفس البشریة. خلال هذه الفترة، نشأت الوجودیة علی ید نیتشه و کیرکجارد لتحلیل ودراسة الأبعاد المختلفة للوجود الإنسانی والأزمات المرتبطة به. . من أبرز مبادئها هی أصالة الوجود، والاغتراب، والخطیئة، والقلق، وغیرها. ووفقاً لرأی النقاد ، تأثر غسان کنفانی،الکاتب الفلسطینی الشهیر، بهذه المدرسة فی أعماله الأدبیة، ومنها مسرحیة «جسر إلى الأبد». ففی هذه المسرحیة یدخل الکاتب إلى عوالم التجرید والرمزیة، ویتناول الأسطورة فی لامعقولها لتصویر أزمات الوجودیة التی یعانی منها هذا الشعب ومن خلال ذلک، یسعى إلى استعادة هویتها وأصالتها وعظمتها. یهدف هذا البحث إلى دراسة مسرحیة «جسر إلى الأبد» فی إطار النظام الفلسفی للوجودیة، باستخدام منهج وصفی تحلیلی، وبینما یدرس أهم مظاهر الوجودیة، فإنه یشرح أیضًا المعانی الضمنیة للنصّ والمنظور الفلسفی للمؤلف.ویحاول الإجابة عن الأسئلتین؛ ما هی اهمّ تمظهرات الوجودیة فی مسرحیة جسر إلی الأبد؟ و للتعبیر عن أی مفاهیم استخدم المؤلف مبادئ الوجودیة؟ تظهر نتائج البحث أنّ الاغتراب، وأصالة الوجود، والشعور بالذنب، وزمانیة من أهم مظاهر الوجودیة فی المسرحیة المذکورة. الکاتب باستخدام العناصر الوجودیة یصور معاناة الإنسان الفلسطینی ومنظوره تجاه الکینونة والحیاة والمصیر. وإنه من خلال توظیف شخصیة «فارس» الرمزیة یصف تشظی الهویة والفراغ الوجودی الذی ألمّ بها مواطنی؛ فیهدف کنفانی، عبر تصویر هذه المؤشرات الوجودی وتبیان عواقبها أن یُحذِّر المجتمع من اتجاه نحو الأزمات.